عماد الدين خليل

23

دراسة في السيرة

ذات طابع شمولي ما كان للمستشرقين أن يغافلوا عن أبعادها ! ! وكما كشف المستشرقون ، بتعمقهم ونفاذهم وإحاطتهم ، النقاب عن الكثير من الجوانب المضطربة الغامضة في تاريخنا الإسلامي عامة ، بما فيه سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إلا أنهم - بأخطائهم المنهجية آنفة الذكر - طرحوا الكثير من النتائج والمعطيات الموضوعية الخاطئة ، وهذا أمر طبيعي ، فالخطأ لا ينتج إلّا الخطأ ، والبعد عن الموضوعية ، لا يقود إلا إلى نتائج لا تحمل من روح العلم والجدية إلا قليلا . وليس هنا مجال عرض هذه المعطيات والنتائج ، ومناقشتها ، فلهذا مجال آخر كما سبق وأن ذكرنا . . . إلّا أننا نطرح فيما يلي نماذج محدودة فحسب من حصاد ضخم يمكن أن يجنيه كل دارس بتأن ورويّة ، لما كتبوه عن حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو حصاد يحمل في ثناياه عناصر تناقضه واضطرابه وخروجه عن البحث المنهجي الدقيق . يقول بروكلمان : « في هذه الأثناء كان مسلمو مكة ، على ما تقول الروايات ، يعانون أزمة جديدة . ذلك أن حديث محمد عن إسرائه العجيب ، برفقة جبريل إلى بيت المقدس ، ومن ثم إلى السماء ، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين ، ولكن أبا بكر ضرب بإيمانه الراسخ مثلا طيبا لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون . ومن الجائز أن تكون هذه الرحلة السماوية التي كثيرا ما أشير إليها بعد في الأساطير الغريبة التي خلفتها لنا الكتب الإسلامية جميعها ، أقدم من ذلك عهدا ، ولعلها ترجع إلى الأيام الأولى للبعثة النبوية . وأمثال هذه الرؤى في أثناء تهجّد العرّاف معروفة ثابتة لدى بعض الشعوب البدائية » « 1 » . « وقد حالت الظروف بين الرسول وبين الشروع في شن حملة نظامية مباشرة على المشركين . فقد كانت فكرة الشرف العربية القديمة تمسك المهاجرين عن محاربة إخوانهم من قريش في حين كان المدنيون غير شديدي الميل إلى تعكير صفو السلم مع جيرانهم الأقوياء . . حتى إذا كان شهر رجب الحرام وجه جماعة من الغزاة بأوامر سرّية ، فوفقت إلى مباغتة قافلة بالعروض ، كانت حاميتها

--> ( 1 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ص 44 .